د. حامد عبدالماجد قويسي
يفترض أن الانتخابات التي تجريها جماعة الإخوان المسلمين في مصر لتجديد هيئاتها القيادية "مكتب الإرشاد والمرشد العام" بمثابة "انتخابات داخلية" لجماعة هي أيضا "ممنوعة" قانونا، بل و"محظورة" بلغة الإعلام المصري، وتأسيسا على هذه "الحقيقة" كان منطقيا أن ينحصر الاهتمام بها في ثلاث دوائر رئيسية ذات صلة مباشرة بـ"القضية" لاعتبارات مختلفة.
أ- الدائرة الأولى: العضو الإخواني العامل المرتبط تنظيميا بالجماعة، والذي له حق المشاركة في العملية الانتخابية، وفق القواعد واللوائح المعمول بها داخل الجماعة، ويمكن أن يمتد الاهتمام والعلم بها إلى قواعد الجماعة عبر قنواتها التنظيمية، وسبب ذلك واضح بالنسبة للقسم الأول فهم أهل الاختيار والمخاطبون بالعملية الانتخابية عمليا...
ب- الدائرة الثانية: الباحث الأكاديمي المتخصص الذي يقع في دائرة تخصصه العلمي متابعة الظاهرة الإسلامية، وفي القلب منها جماعة الإخوان المسلمين، وفق منهجية علمية بحثية محددة، ومبرر الاهتمام هو دائرة كتاباتهم وإبداعاتهم...
ج- الدائرة الثالثة: المباحث (الشرطة) والأمن الذي يقع في دائرة وظيفتهم الأمنية المباحثية مراقبة هذه الجماعة وعملياتها المختلفة باعتبارها محظورة وخطرا أمنيا، ومبرر هذا الاهتمام أن هذا مجال إنجازهم وترقيتهم وفق تصوراتهم...
- وإذا كانت "الدائرة الأولى" تمثل الطرف الأساسي الذي يمارس العملية الانتخابية ويتحمل مسئولياتها، فإن الدائرتين الثانية والثالثة "البحثية والمباحثية" يفترض أنهما تقاربان الموضوع بعقلية ومنهجية لأهداف متباينة ومختلفة، وإلا غابت الحدود بين وظيفتيهما "الباحث والمباحث"، وهو أمر قد يحدث في مثل هذه القضايا الحساسة...
الإشكالية أن قضية "الانتخابات الإخوانية" تجاوز الاهتمام والعلم بها -عبر التغطية الإعلامية المكثفة والمركزة- الدوائر الثلاث السابقة، والتي أسهمت بدورها في هذا الأمر، ورغم أن هذه القضية "التعامل الإعلامي" ليست "المدخل الحقيقي"، أو مفتاح فهم التطورات الإخوانية الحالية المتعلقة بالعملية الانتخابية، وبنفس القدر فإن قضية "المشروعية، و"اللائحة"، و"المؤسسية"... إلخ ليست المدخل التفسيري الحقيقي الأقرب للدقة لفهم تطورات ما يحدث في العملية الانتخابية ومآلاته -ودون دخول في تفاصيل–"فالتعامل العلمي" هو "فرض الوقت" الذي يجب التصدي له تحليلا وتقويما وتبصيرا بالمآلات المختلفة...
ماهية التعامل الإعلامي مع القضايا.. محاولة للتحديد النظري:
- يمكن التحديد النظري بثلاثة أدوار ومستويات للتعامل الإعلامي متمايزة فيما بينها في المنهجية والأهداف والقائمين عليها، أو يفترض أنها كذلك غالبا:
الأول: الإعلام الإخباري الذي يقوم على نقل الوقائع، ورصد الأحداث المختلفة ومتابعة تطوراتها، ونشر البيانات والتصريحات وفحوى المبادرات بصدد قضايا محددة، الأمر الذي يمكن أن يسهم في تنوير الأفراد وإحاطتهم علما بتطورات القضايا، مما يساعد على تكوين وعيهم الذاتي بها، ولكن هذا الإعلام قد ينقلب على هذا الدور -وفي إطاره قد يقوم أيضا على أساس "الانتقاء" طبقا لمواقف مسبقة- إثباتا أو إسقاطا تركيزا أو تهميشا، ويمكن أن يتلاعب بمكونات الصورة بما يعبر عن رأي مباشر، كما أن نظم الأحداث ونشر البيانات بطريقة معينة وفي أوقات محددة يمكن أن يشير من طرف خفي إلى وجود إرادة لتوجيه وتشكيل رأي في اتجاه معين أو محدد، بل أحيانا ما تكون الطريقة الفنية في إخراج ما هو منقول ومكان ووسيلة نشره والتعقيب عليه بمثابة موقف أو رأي معين يراد الإيحاء به أو تشكيله من وراء هذه النقل والرصد، والوصف...
الثاني: الإعلام التحليلي التفسيري الذي يقوم اعتمادا على "المعلومات والرصد ومتابعة تطورات الأحداث"، أي على أساس ما يقدمه "الإعلام الإخباري" من توصيف بعد تدقيقه وضبطه بالمقاييس العلمية، باتخاذها "مادة أولية" للتحليل وطرح الأسئلة عن تطورات القضايا، وموضوعها، وأطرافها المختلفة... إلخ، ثم يعمد إلى تقديم تفسيرات علمية ومنطقية لها، لينتقل بعد ذلك إلى تقديم تصورات وتنبؤات حول سيناريوهاتها المستقبلية وفي هذه الإطار يقدم تقييما لها، سواء تمثل في رأي بصددها أو تحديد موقف عملي منها أيا كانت نوعيته وطبيعته، لكنه مبني على الأسس العلمية والخطوات المنهجية الأربع: التوصيف، والتحليل، والتفسير، والتنبؤ.
الثالث: الإعلام الدعائي، وهو نوعية تخالف أو تناقض المستويين السابقين، فهو ليس مجرد إخبار بالواقع؛ إذ يركز فقط على بعض جوانبه مغفلا الأخرى، ولا يقدم تحليلا أو تفسيرا علميا له، بالقدر الذي يسعى فيه إلى "إقناع" المستقبل بـ"الرأي" الذي يقول به عبر التلاعب بعناصر تكوينه النفسي، انتقالا من "الجزئيات" وصعودا إلى الكليات. ويقوم المنطق الدعائي في ثوبه الإعلامي على أساس "التزيين" و"التضليل"، ولا يتورع عن الاختلاق واستخدام الكذب في بعض الأحيان، وللإعلام الدعائي العديد من الآليات والتقنيات، نذكر منها على سبيل المثال: إطلاق التسميات والنعوت المرتبطة بالأنماط الجامدة لدى الجمهور، والتعميم البراق، والتكرار والملاحقة، والإسقاط، والتجريد من السياق واستخدام الرموز... إلخ.
- الأدوار والمستويات الثلاثة للتعامل الإعلامي، الإخباري، والتحليلي، والدعائي تم توظيفها بكثافة إزاء قضية الانتخابات الإخوانية الأخيرة، بحيث تداخلت فيها المستويات، واختلطت الأدوار بشكل غير مسبوق، وكان المنطق "الدعائي" وليس الإخباري أو التحليلي هو الغالب على هذا التعامل الإعلامي، كما سنرى في تحليل دلالات التعامل من الناحيتين الكمية والكيفية في النقطتين التاليتين، لنصل في النهاية لاستخلاص الدلالات الكلية لتعامل القيادة الإخوانية إعلاميا بصدد قضية الانتخابات.. وذلك على النحو التالي:
1- دلالات كثافة التعامل الإعلامي مع القضية:
يمكن القول إن قضية الانتخابات الإخوانية والسياق الذي أجريت فيه شهدت "إعلاما إخباريا" ورصدا كثيفا من الناحية الكمية في مختلف وسائل الإعلام المقروءة والمرئية، المصرية والعربية والأجنبية، على مدى زمني طويل نسبيا ما زال مستمرا، وبالتالي فإن كثافة "المنتج" الإعلامي الذي انقلب إلى منطق دعائي صريح في غالب الأحيان يكشف عن العديد من الدلالات المهمة منها:
الأولى: الوزن الإصلاحي والسياسي لجماعة الإخوان المسلمين وشرعيتها الشعبية والسياسية وضرورة متابعة أخبارها وتطوراتها قادت إلى أن يتجاهل التعامل الإعلامي -بجميع أشكاله- كونها "محظورة" و"ممنوعة" قانونا، فأصبحت أخبارها حاضرة بانتظام على الصفحات الأولى وشاشات الفضائيات، بحيث تم نقل أدق التفاصيل من الاختلافات والاجتهادات والاستقالات بصدد العملية الانتخابية مباشرة، وإخبار الجميع بها، كما أشار لذلك الكثير من الكتاب.
الثانية: الدلالة الرمزية -خاصة في الواقع المصري- لإصرار المرشد العام للجماعة على عدم التجديد والبقاء في منصبه وفاء لوعد قطعه على نفسه بألا يستمر سوى دورة واحدة تنتهي في 13 يناير 2010م، فالواقع العربي المصري يعرف في غالبه قيادات مؤبدة في مواقعها، وليس هناك من آلية لتغييرها سوى ملك الموت ويد القدر...
الثالثة: الدلالة الواقعية في أن هذه الانتخابات -أيا كان الموقف منها- قادت إلى تغيير حقيقي وليس شكليا، بصرف النظر عن تقييمها -سلبا أو إيجابا- حالا أو مستقبلا...
2- دلالات نوعية التعامل الإعلامي وتوقيتاته:
- يشير ارتباط كمية التغطية والتعامل الإعلامي وكثافتها إلى العديد من الدلالات النوعية التي يمكن الوصول إليها عبر فحص عينات من مضمون هذه التغطية، وعموما يمكن الإشارة إلى ثلاث دلالات بالغة الأهمية:
الأولى: جرى التأكيد على أن "العملية الانتخابية" شهدت تنافسا بين تيارين داخل الجماعة (بالطبع فإن أية جماعة من البشر لابد أن تشهد تنوعا في الرؤى والاجتهادات وذلك مقرر علميا) ولكن في هذه الحالة تحديدا لم يجر التأكد من حقيقة "وجود" ثم "وزن" هذين التيارين بالجماعة عامة، وإزاء هذه القضية تحديدا، ثم جري توصيف وتسمية كليهما (دون تحديد أسس علمية نظرية أو واقعية حقيقية علمية صادقة وقابلة للقياس) فالأول جرى توصيفه بأنه وإصلاحي "ومنفتح" وصاحب "العمل العام"، وجرى ربطه بما أطلق عليه التأسيس الثاني للجماعة في عهد المرشد الراحل التلمساني رحمه الله تعالى.
أما التيار الثاني فقد وضع في مقابله بحسبانه نقيضه تماما، فهو المنغلق والمتشدد والتنظيمي، وجرى ربطه بالشهيد سيد قطب رحمه الله وأفكاره "التكفيرية" هكذا دون دليل سليم ، ومن ثم تحول التعامل الإعلامي إلى منطق الدعاية الواضحة بآليات: التعميم البراق، والاختزال والتبسيط، والربط بالرموز... إلخ، والتي تهدف إلى التشويه، والتلاعب بالحقائق، وقد تورطت معظم التغطيات والتعامل الإعلامي في ذلك، ومما يؤسف له أن بعضا من الأقلام المحسوبة على البحث والمنهجية العلمية لم تشذ عن القاعدة .
إن خطأ هذا التوصيف -حين يجري مده على استقامته في ظل افتراض وجود هذين التيارين اللذين يحكمهما المنطق الصراعي والإقصائي- أن تكون النتيجة المنطقية هي حدوث "تصدع" و"انشقاق" وانقسامات داخل جماعة الإخوان، وهو أمر يخالف الواقع المشاهد.
الثانية: جرى تهميش أو تجاهل ما تعلنه الأطراف الأساسية للخلاف بصدد "العملية الانتخابية" لحساب التفسير الرائج والمريح عن صراع الإصلاحيين والمحافظين، والذي ينم عن كسل عقلي بالغ فيمن يقولون به، إذ إن هذه الأطراف ترى أن جوهر خلافاتها بصدد العملية الانتخابية يعود إلى أسباب تتعلق بـ"اللائحة" والإجراءات وسلامتها، والمواعيد... إلخ، جدل قانوني وإداري فني محض، وأيا كان الموقف من مدى صحة ذلك أو عدمه، فإن التناول الإعلامي الذي انقلب إلى "دعاية" صريحة جعلت من ذلك "شروحا" على متون الصراعات بين "الإصلاحيين" و"القطبيين" الذين استولوا على الإخوان وقاموا بإقصاء الطرف الأول... إلخ، في منطق أمني واضح وإن ارتدى ثوب التعامل الإعلامي والتحليل والرأي.
واللافت في هذا السياق أن ثمة تجاهلا يبدو متعمدا حتى لا يشوش على المنطق الدعائي- ربما، وذلك لإشارات إيجابية وردت في مجمل خطاب هذه الأطراف، فالمرشد العام في تصريحاته إزاء استقالة نائبه الأول كان إيجابيا وراقيا، وبدوره كان خطاب النائب الأول حتى في استقالته وخلافه بالغ الرقي والتحضر، الأمر كان بارزا أيضا في خطاب من لم يقع عليه الاختيار في الانتخابات، فقد كانت مواقفهم جميعا بالغة الإيجابية، وترفعت على مسائل "التجريح الشخصي" أو الفردي، والتي انزلقت إليها التغطية الدعائية من قبل آخرين أدخلوا أنفسهم في القضية لسبب أو لآخر، كما أنهم أكدوا في خطابهم على وحدة الجماعة...
الثالثة: تقديم البعض من الباحثين والكتاب الذين تناولوا القضية لعدد من التصورات والسيناريوهات والتنبؤات حول مستقبل الجماعة في الفترة القادمة؛ وذلك دون فحص أو تأسيس علمي أو منهجية منضبطة، الأمر الذي أدخل كتاباتهم في إطار المنطق الدعائي والمواقف الأيديولوجية المسبقة التي تقيس وتحاكم أية تغييرات من أرضية الكاتب الفكرية، ووفقا لتحيزاته الذاتية وهو ما يفقدها القيمة والاعتبار، ولنأخذ على ذلك مثلا بتلك الكتابات التي أنتجها بعض الباحثين، وذهبت إلى أن هذه التغييرات ستفضي –حتما– إلى تراجع "دور" الجماعة في العمل العام والسياسي تحديدا؛ وبذلك تتراجع الجماعة وتهدر إنجازات ثلاثين عاما من العمل الطلابي والنقابي والسياسي، في وقت سوف تشهد البلاد فيه خلال العامين القادمين انتخابات برلمانية (2010) ورئاسية (2011)، وقد جرى التأكيد على ذلك في العديد من الكتابات، غير أن المنطق العلمي لا يصمد أمامه مثل التعامل الإعلامي الدعائي لأسباب ثلاثة:
الأول: ليست جماعة الإخوان المسلمين –أو أية قوة سياسية أو وطنية في البلاد– هي التي تحدد "مساحة العمل والمجال العام وطبيعته ونوعيته"، فالدولة المصرية، والنظام السياسي التسلطي الحاكم –منذ انقلاب يوليو 1952م، وحتى اليوم– بمؤسساته الأمنية والعسكرية، هو المحدد الأساسي والأول والعامل "المستقل" في هذا الصدد، ولا يتعدى دور أية قوة سياسية مصرية ممارسة قدر محسوب من الضغوط لتوسيعه، ويظل ذلك رهنا بإرادة النظام وسياساته والضغوط الإقليمية والدولية عليه...
الثاني: إذا كانت الجماعة قد استطاعت بكفاءة وذكاء سياسي خلال الفترة الماضية استثمار "تراجع" و"سماح" النظام "بمجالات للعمل والحركة في العمل الطلابي أو النقابي أو السياسي، فقد كان ذلك كسبا "كميا" ورهنا بـ"إرادة" النظام ورغبته فلم يؤد هذا التواجد الإخواني الكمي الكبير إلى تغيير "نوعي" في نمط علاقتهم بالنظام أو علاقتهم بجميع قوى المجتمع المدني بحيث إنه ووفقا لتقديراته وإرادته قام بتأميم المجال العام واستولى على كل المنافذ، بل إنه وبإصرار يحسد النظام عليه يحيل بعض المكاسب السياسية الجزئية إلى خسائر فعلية (وبالتالي لا يلحظ المحلل السياسي الجاد فارقا حقيقيا من زاوية التأثير بين وجود الإخوان في برلمان (2000) مقارنة (2005) رغم التضاعف الكمي والعددي).
الثالث: يمكن عبر فحص التركيبة الجديدة للقيادة الإخوانية التي تمخضت عنها العملية الانتخابية أن توصلنا إلى عكس التنبؤ الذي قال به البعض؛ فأكثر من 80% من أعضائه يمثلون قيادات ورموز حاليا وسابقا في العمل الطلابي والنقابي والبرلماني المصري...
وبالتالي يبدو لنا مدى دعائية مثل هذا التنبؤات مهما ارتدت ثوب التعامل الإعلامي التحليلي أو العلمي...
التعامل الإعلامي للقيادة الإخوانية مع القضية: ملاحظات مبدئية:
يمكن في ضوء ما سبق أن نبدي بعض الملاحظات الأولية على أنماط التعامل الإعلامي للقيادة الإخوانية في هذه القضية البالغة الأهمية.
وفي هذا الصدد نثير ثلاث ملاحظات أساسية:
الأولى: كان من المفترض أن يثير هذا التعامل الإعلامي والتغطية المكثفة كميا حول القضية المهمة و ونوعية التغطية واتجاهات التناول وطبيعته وأطرافه... الخ انتباه ووعي هذه "القيادات" الكبري في الجماعة خاصة مرشدها العام ونائبه الأول وأمينها العام قبل كل الجميع خاصة في ظل مؤشرات من قبيل:
أ- الخبرة السابقة مع الإعلام المصري والعربي الذي ورط الجماعة في الكثير من القضايا والمآزق وما قضية أحداث الأزهر وغيرها منكم ببعيد ...
ب- الإدراك الحقيقي أن غالبية الإعلام المصري والعربي يخضع لدرجات متفاوتة للتوجيه السلطوي والمالي والأمني بل والاختراق الفعلي من كثير من الجهات داخليا وخارجيا الأمر الذي تتقاطع بصدده كثير من مصالح الأجهزة الأمنية ، وإنحيازات الجهات الفكرية والقوى السياسية المختلفة .
ج- أن موضوع الانتخابات تحديدا كان دائما ما تتم إدارته بعيدا عن أجهزة الإعلام لاعتبارات تتعلق بوضعية الجماعة، وتمثل هذه المرة سابقة لا ندري هل كان الأمر مقصودا وهادفا في هذا الصدد أم أن تداعيات الأحداث قادت الي هذه الوضعية المستجدة .
وقد تعاملت القيادات الإخوانية إعلاميا بمنطق "الإخبار" -كما أسلفنا- ودون مراعاة العامل الزمني وأحيانا استخدامه؛ فحولته أجهزة الإعلام إلى أداة دعائية، الأمر الذي أوجد قدرا غير قليل من عدم الوضوح والتشويش، ولقد أخطأت القيادات الإخوانية الكبري في غالبها في التعامل الإعلامي مع القضية، نتيجة لعوامل كثيرة ليس هنا مجال تعدادها.
الثانية: يثير التعامل الإعلامي في هذه القضية (وغيرها من القضايا المهمة على الصعيد الإخواني) تساؤلا بالغ الأهمية والدلالة المستقبلية: إلى أي مدى سوف يصبح هذا النمط من التعامل الإعلامي أحد مدخلات عملية صناعة واتخاذ القرارات في الجماعة مستقبلا؟! وإلى أي مدى سوف يؤثر على أدوارها واختياراتها الفكرية والسياسية؟!..
سؤال بالغ الحساسية والأهمية، جوهره أن تصبح أدوات الإعلام ووسائله -بما تفرضه من ضغوط وما تعكسه من مصالح وانحيازات أطراف وجهات- إحدى أدوات الضغط أو أحد المحددات المهمة في عملية صناعة واتخاذ القرارات داخل أحد مستويات البنية القيادية العليا الإخوانية (مكتب الإرشاد– والمرشد العام) وبالتالي تسهم في تحديد إستراتيجيات ورسم سياسات الجماعة!.
الثالثة: كشف التعامل الإعلامي مع القضية عن غياب "وجود" (أو على الأقل "ضعف" فعالية) "الإعلام الإخواني الحقيقي المستقل" -إذا جاز الوصف- فلم يكن هو بالأساس "المصدر" الذي نقل الأحداث غالبا وتعدد وجهات النظر والاجتهادات ويقف من الجميع على مسافة واحدة.
تثير هذه المسألة أبعادا ثلاثة:
أ- تراجع الوعي القيادي الإخواني بهذه المسألة في الوقت الحالي رغم أهميتها المحورية وإن كانت إشكالية هذا الوعي مزمنة ، الا أنه كان فعالا فيما مضى بدرجة من الدرجات .
ب- غياب أو تغييب الكفاءات الإعلامية، والدعوية المتخصصة فلم تعوض الجماعة قامات مثل المرحومين جابر رزق وعبد المنعم سليم رحمهما الله، رغم غناها بأمثال هذه الكفاءات في الداخل والخارج...
ج- قيام بعض أبناء الجماعة –أو المحسوبين عليها- من العاملين في الحقل الإعلامي باستثمار القضية الانتخابية وما جري فيها وفقا لما تصوروه صالحهم "الحرفي" و"المهني" فقد تعاملوا معها كـ"مادة" إعلامية يتاح لهم بحكم "واقع " أو "سابق" علاقاتهم بالقيادة الإخوانية أن يحققوا من خلالها ما تصوروه "السبق" الإعلامي ولو على حساب "أخلاقيات المهنة" ذاتها -دون غيرها- وأحيانا استخدم بعضهم ما أتيح له من معلومات كـ"مادة" دعائية للتشويه الدعائي ، وللانتصار لفريق أو لرأي تصوروه دون آخر، في معركة دعائية كانت الخسارة فيها للجميع تقريبا...
والخلاصة أن هذه القضية كانت كاشفة عن الكثير من الجوانب البالغة الأهمية في التعامل الاعلامي القيادي الاخواني يمكن أن تقدم دروسا صالحة للاعتبار المستقبلي ... وأفوض أمري الي الله ان الله بصير بالعباد ...
------------------------------------------------------
أستاذ النظم السياسية بجامعتي القاهرة ولندن"SOAS"
يفترض أن الانتخابات التي تجريها جماعة الإخوان المسلمين في مصر لتجديد هيئاتها القيادية "مكتب الإرشاد والمرشد العام" بمثابة "انتخابات داخلية" لجماعة هي أيضا "ممنوعة" قانونا، بل و"محظورة" بلغة الإعلام المصري، وتأسيسا على هذه "الحقيقة" كان منطقيا أن ينحصر الاهتمام بها في ثلاث دوائر رئيسية ذات صلة مباشرة بـ"القضية" لاعتبارات مختلفة.
أ- الدائرة الأولى: العضو الإخواني العامل المرتبط تنظيميا بالجماعة، والذي له حق المشاركة في العملية الانتخابية، وفق القواعد واللوائح المعمول بها داخل الجماعة، ويمكن أن يمتد الاهتمام والعلم بها إلى قواعد الجماعة عبر قنواتها التنظيمية، وسبب ذلك واضح بالنسبة للقسم الأول فهم أهل الاختيار والمخاطبون بالعملية الانتخابية عمليا...
ب- الدائرة الثانية: الباحث الأكاديمي المتخصص الذي يقع في دائرة تخصصه العلمي متابعة الظاهرة الإسلامية، وفي القلب منها جماعة الإخوان المسلمين، وفق منهجية علمية بحثية محددة، ومبرر الاهتمام هو دائرة كتاباتهم وإبداعاتهم...
ج- الدائرة الثالثة: المباحث (الشرطة) والأمن الذي يقع في دائرة وظيفتهم الأمنية المباحثية مراقبة هذه الجماعة وعملياتها المختلفة باعتبارها محظورة وخطرا أمنيا، ومبرر هذا الاهتمام أن هذا مجال إنجازهم وترقيتهم وفق تصوراتهم...
- وإذا كانت "الدائرة الأولى" تمثل الطرف الأساسي الذي يمارس العملية الانتخابية ويتحمل مسئولياتها، فإن الدائرتين الثانية والثالثة "البحثية والمباحثية" يفترض أنهما تقاربان الموضوع بعقلية ومنهجية لأهداف متباينة ومختلفة، وإلا غابت الحدود بين وظيفتيهما "الباحث والمباحث"، وهو أمر قد يحدث في مثل هذه القضايا الحساسة...
الإشكالية أن قضية "الانتخابات الإخوانية" تجاوز الاهتمام والعلم بها -عبر التغطية الإعلامية المكثفة والمركزة- الدوائر الثلاث السابقة، والتي أسهمت بدورها في هذا الأمر، ورغم أن هذه القضية "التعامل الإعلامي" ليست "المدخل الحقيقي"، أو مفتاح فهم التطورات الإخوانية الحالية المتعلقة بالعملية الانتخابية، وبنفس القدر فإن قضية "المشروعية، و"اللائحة"، و"المؤسسية"... إلخ ليست المدخل التفسيري الحقيقي الأقرب للدقة لفهم تطورات ما يحدث في العملية الانتخابية ومآلاته -ودون دخول في تفاصيل–"فالتعامل العلمي" هو "فرض الوقت" الذي يجب التصدي له تحليلا وتقويما وتبصيرا بالمآلات المختلفة...
ماهية التعامل الإعلامي مع القضايا.. محاولة للتحديد النظري:
- يمكن التحديد النظري بثلاثة أدوار ومستويات للتعامل الإعلامي متمايزة فيما بينها في المنهجية والأهداف والقائمين عليها، أو يفترض أنها كذلك غالبا:
الأول: الإعلام الإخباري الذي يقوم على نقل الوقائع، ورصد الأحداث المختلفة ومتابعة تطوراتها، ونشر البيانات والتصريحات وفحوى المبادرات بصدد قضايا محددة، الأمر الذي يمكن أن يسهم في تنوير الأفراد وإحاطتهم علما بتطورات القضايا، مما يساعد على تكوين وعيهم الذاتي بها، ولكن هذا الإعلام قد ينقلب على هذا الدور -وفي إطاره قد يقوم أيضا على أساس "الانتقاء" طبقا لمواقف مسبقة- إثباتا أو إسقاطا تركيزا أو تهميشا، ويمكن أن يتلاعب بمكونات الصورة بما يعبر عن رأي مباشر، كما أن نظم الأحداث ونشر البيانات بطريقة معينة وفي أوقات محددة يمكن أن يشير من طرف خفي إلى وجود إرادة لتوجيه وتشكيل رأي في اتجاه معين أو محدد، بل أحيانا ما تكون الطريقة الفنية في إخراج ما هو منقول ومكان ووسيلة نشره والتعقيب عليه بمثابة موقف أو رأي معين يراد الإيحاء به أو تشكيله من وراء هذه النقل والرصد، والوصف...
الثاني: الإعلام التحليلي التفسيري الذي يقوم اعتمادا على "المعلومات والرصد ومتابعة تطورات الأحداث"، أي على أساس ما يقدمه "الإعلام الإخباري" من توصيف بعد تدقيقه وضبطه بالمقاييس العلمية، باتخاذها "مادة أولية" للتحليل وطرح الأسئلة عن تطورات القضايا، وموضوعها، وأطرافها المختلفة... إلخ، ثم يعمد إلى تقديم تفسيرات علمية ومنطقية لها، لينتقل بعد ذلك إلى تقديم تصورات وتنبؤات حول سيناريوهاتها المستقبلية وفي هذه الإطار يقدم تقييما لها، سواء تمثل في رأي بصددها أو تحديد موقف عملي منها أيا كانت نوعيته وطبيعته، لكنه مبني على الأسس العلمية والخطوات المنهجية الأربع: التوصيف، والتحليل، والتفسير، والتنبؤ.
الثالث: الإعلام الدعائي، وهو نوعية تخالف أو تناقض المستويين السابقين، فهو ليس مجرد إخبار بالواقع؛ إذ يركز فقط على بعض جوانبه مغفلا الأخرى، ولا يقدم تحليلا أو تفسيرا علميا له، بالقدر الذي يسعى فيه إلى "إقناع" المستقبل بـ"الرأي" الذي يقول به عبر التلاعب بعناصر تكوينه النفسي، انتقالا من "الجزئيات" وصعودا إلى الكليات. ويقوم المنطق الدعائي في ثوبه الإعلامي على أساس "التزيين" و"التضليل"، ولا يتورع عن الاختلاق واستخدام الكذب في بعض الأحيان، وللإعلام الدعائي العديد من الآليات والتقنيات، نذكر منها على سبيل المثال: إطلاق التسميات والنعوت المرتبطة بالأنماط الجامدة لدى الجمهور، والتعميم البراق، والتكرار والملاحقة، والإسقاط، والتجريد من السياق واستخدام الرموز... إلخ.
- الأدوار والمستويات الثلاثة للتعامل الإعلامي، الإخباري، والتحليلي، والدعائي تم توظيفها بكثافة إزاء قضية الانتخابات الإخوانية الأخيرة، بحيث تداخلت فيها المستويات، واختلطت الأدوار بشكل غير مسبوق، وكان المنطق "الدعائي" وليس الإخباري أو التحليلي هو الغالب على هذا التعامل الإعلامي، كما سنرى في تحليل دلالات التعامل من الناحيتين الكمية والكيفية في النقطتين التاليتين، لنصل في النهاية لاستخلاص الدلالات الكلية لتعامل القيادة الإخوانية إعلاميا بصدد قضية الانتخابات.. وذلك على النحو التالي:
1- دلالات كثافة التعامل الإعلامي مع القضية:
يمكن القول إن قضية الانتخابات الإخوانية والسياق الذي أجريت فيه شهدت "إعلاما إخباريا" ورصدا كثيفا من الناحية الكمية في مختلف وسائل الإعلام المقروءة والمرئية، المصرية والعربية والأجنبية، على مدى زمني طويل نسبيا ما زال مستمرا، وبالتالي فإن كثافة "المنتج" الإعلامي الذي انقلب إلى منطق دعائي صريح في غالب الأحيان يكشف عن العديد من الدلالات المهمة منها:
الأولى: الوزن الإصلاحي والسياسي لجماعة الإخوان المسلمين وشرعيتها الشعبية والسياسية وضرورة متابعة أخبارها وتطوراتها قادت إلى أن يتجاهل التعامل الإعلامي -بجميع أشكاله- كونها "محظورة" و"ممنوعة" قانونا، فأصبحت أخبارها حاضرة بانتظام على الصفحات الأولى وشاشات الفضائيات، بحيث تم نقل أدق التفاصيل من الاختلافات والاجتهادات والاستقالات بصدد العملية الانتخابية مباشرة، وإخبار الجميع بها، كما أشار لذلك الكثير من الكتاب.
الثانية: الدلالة الرمزية -خاصة في الواقع المصري- لإصرار المرشد العام للجماعة على عدم التجديد والبقاء في منصبه وفاء لوعد قطعه على نفسه بألا يستمر سوى دورة واحدة تنتهي في 13 يناير 2010م، فالواقع العربي المصري يعرف في غالبه قيادات مؤبدة في مواقعها، وليس هناك من آلية لتغييرها سوى ملك الموت ويد القدر...
الثالثة: الدلالة الواقعية في أن هذه الانتخابات -أيا كان الموقف منها- قادت إلى تغيير حقيقي وليس شكليا، بصرف النظر عن تقييمها -سلبا أو إيجابا- حالا أو مستقبلا...
2- دلالات نوعية التعامل الإعلامي وتوقيتاته:
- يشير ارتباط كمية التغطية والتعامل الإعلامي وكثافتها إلى العديد من الدلالات النوعية التي يمكن الوصول إليها عبر فحص عينات من مضمون هذه التغطية، وعموما يمكن الإشارة إلى ثلاث دلالات بالغة الأهمية:
الأولى: جرى التأكيد على أن "العملية الانتخابية" شهدت تنافسا بين تيارين داخل الجماعة (بالطبع فإن أية جماعة من البشر لابد أن تشهد تنوعا في الرؤى والاجتهادات وذلك مقرر علميا) ولكن في هذه الحالة تحديدا لم يجر التأكد من حقيقة "وجود" ثم "وزن" هذين التيارين بالجماعة عامة، وإزاء هذه القضية تحديدا، ثم جري توصيف وتسمية كليهما (دون تحديد أسس علمية نظرية أو واقعية حقيقية علمية صادقة وقابلة للقياس) فالأول جرى توصيفه بأنه وإصلاحي "ومنفتح" وصاحب "العمل العام"، وجرى ربطه بما أطلق عليه التأسيس الثاني للجماعة في عهد المرشد الراحل التلمساني رحمه الله تعالى.
أما التيار الثاني فقد وضع في مقابله بحسبانه نقيضه تماما، فهو المنغلق والمتشدد والتنظيمي، وجرى ربطه بالشهيد سيد قطب رحمه الله وأفكاره "التكفيرية" هكذا دون دليل سليم ، ومن ثم تحول التعامل الإعلامي إلى منطق الدعاية الواضحة بآليات: التعميم البراق، والاختزال والتبسيط، والربط بالرموز... إلخ، والتي تهدف إلى التشويه، والتلاعب بالحقائق، وقد تورطت معظم التغطيات والتعامل الإعلامي في ذلك، ومما يؤسف له أن بعضا من الأقلام المحسوبة على البحث والمنهجية العلمية لم تشذ عن القاعدة .
إن خطأ هذا التوصيف -حين يجري مده على استقامته في ظل افتراض وجود هذين التيارين اللذين يحكمهما المنطق الصراعي والإقصائي- أن تكون النتيجة المنطقية هي حدوث "تصدع" و"انشقاق" وانقسامات داخل جماعة الإخوان، وهو أمر يخالف الواقع المشاهد.
الثانية: جرى تهميش أو تجاهل ما تعلنه الأطراف الأساسية للخلاف بصدد "العملية الانتخابية" لحساب التفسير الرائج والمريح عن صراع الإصلاحيين والمحافظين، والذي ينم عن كسل عقلي بالغ فيمن يقولون به، إذ إن هذه الأطراف ترى أن جوهر خلافاتها بصدد العملية الانتخابية يعود إلى أسباب تتعلق بـ"اللائحة" والإجراءات وسلامتها، والمواعيد... إلخ، جدل قانوني وإداري فني محض، وأيا كان الموقف من مدى صحة ذلك أو عدمه، فإن التناول الإعلامي الذي انقلب إلى "دعاية" صريحة جعلت من ذلك "شروحا" على متون الصراعات بين "الإصلاحيين" و"القطبيين" الذين استولوا على الإخوان وقاموا بإقصاء الطرف الأول... إلخ، في منطق أمني واضح وإن ارتدى ثوب التعامل الإعلامي والتحليل والرأي.
واللافت في هذا السياق أن ثمة تجاهلا يبدو متعمدا حتى لا يشوش على المنطق الدعائي- ربما، وذلك لإشارات إيجابية وردت في مجمل خطاب هذه الأطراف، فالمرشد العام في تصريحاته إزاء استقالة نائبه الأول كان إيجابيا وراقيا، وبدوره كان خطاب النائب الأول حتى في استقالته وخلافه بالغ الرقي والتحضر، الأمر كان بارزا أيضا في خطاب من لم يقع عليه الاختيار في الانتخابات، فقد كانت مواقفهم جميعا بالغة الإيجابية، وترفعت على مسائل "التجريح الشخصي" أو الفردي، والتي انزلقت إليها التغطية الدعائية من قبل آخرين أدخلوا أنفسهم في القضية لسبب أو لآخر، كما أنهم أكدوا في خطابهم على وحدة الجماعة...
الثالثة: تقديم البعض من الباحثين والكتاب الذين تناولوا القضية لعدد من التصورات والسيناريوهات والتنبؤات حول مستقبل الجماعة في الفترة القادمة؛ وذلك دون فحص أو تأسيس علمي أو منهجية منضبطة، الأمر الذي أدخل كتاباتهم في إطار المنطق الدعائي والمواقف الأيديولوجية المسبقة التي تقيس وتحاكم أية تغييرات من أرضية الكاتب الفكرية، ووفقا لتحيزاته الذاتية وهو ما يفقدها القيمة والاعتبار، ولنأخذ على ذلك مثلا بتلك الكتابات التي أنتجها بعض الباحثين، وذهبت إلى أن هذه التغييرات ستفضي –حتما– إلى تراجع "دور" الجماعة في العمل العام والسياسي تحديدا؛ وبذلك تتراجع الجماعة وتهدر إنجازات ثلاثين عاما من العمل الطلابي والنقابي والسياسي، في وقت سوف تشهد البلاد فيه خلال العامين القادمين انتخابات برلمانية (2010) ورئاسية (2011)، وقد جرى التأكيد على ذلك في العديد من الكتابات، غير أن المنطق العلمي لا يصمد أمامه مثل التعامل الإعلامي الدعائي لأسباب ثلاثة:
الأول: ليست جماعة الإخوان المسلمين –أو أية قوة سياسية أو وطنية في البلاد– هي التي تحدد "مساحة العمل والمجال العام وطبيعته ونوعيته"، فالدولة المصرية، والنظام السياسي التسلطي الحاكم –منذ انقلاب يوليو 1952م، وحتى اليوم– بمؤسساته الأمنية والعسكرية، هو المحدد الأساسي والأول والعامل "المستقل" في هذا الصدد، ولا يتعدى دور أية قوة سياسية مصرية ممارسة قدر محسوب من الضغوط لتوسيعه، ويظل ذلك رهنا بإرادة النظام وسياساته والضغوط الإقليمية والدولية عليه...
الثاني: إذا كانت الجماعة قد استطاعت بكفاءة وذكاء سياسي خلال الفترة الماضية استثمار "تراجع" و"سماح" النظام "بمجالات للعمل والحركة في العمل الطلابي أو النقابي أو السياسي، فقد كان ذلك كسبا "كميا" ورهنا بـ"إرادة" النظام ورغبته فلم يؤد هذا التواجد الإخواني الكمي الكبير إلى تغيير "نوعي" في نمط علاقتهم بالنظام أو علاقتهم بجميع قوى المجتمع المدني بحيث إنه ووفقا لتقديراته وإرادته قام بتأميم المجال العام واستولى على كل المنافذ، بل إنه وبإصرار يحسد النظام عليه يحيل بعض المكاسب السياسية الجزئية إلى خسائر فعلية (وبالتالي لا يلحظ المحلل السياسي الجاد فارقا حقيقيا من زاوية التأثير بين وجود الإخوان في برلمان (2000) مقارنة (2005) رغم التضاعف الكمي والعددي).
الثالث: يمكن عبر فحص التركيبة الجديدة للقيادة الإخوانية التي تمخضت عنها العملية الانتخابية أن توصلنا إلى عكس التنبؤ الذي قال به البعض؛ فأكثر من 80% من أعضائه يمثلون قيادات ورموز حاليا وسابقا في العمل الطلابي والنقابي والبرلماني المصري...
وبالتالي يبدو لنا مدى دعائية مثل هذا التنبؤات مهما ارتدت ثوب التعامل الإعلامي التحليلي أو العلمي...
التعامل الإعلامي للقيادة الإخوانية مع القضية: ملاحظات مبدئية:
يمكن في ضوء ما سبق أن نبدي بعض الملاحظات الأولية على أنماط التعامل الإعلامي للقيادة الإخوانية في هذه القضية البالغة الأهمية.
وفي هذا الصدد نثير ثلاث ملاحظات أساسية:
الأولى: كان من المفترض أن يثير هذا التعامل الإعلامي والتغطية المكثفة كميا حول القضية المهمة و ونوعية التغطية واتجاهات التناول وطبيعته وأطرافه... الخ انتباه ووعي هذه "القيادات" الكبري في الجماعة خاصة مرشدها العام ونائبه الأول وأمينها العام قبل كل الجميع خاصة في ظل مؤشرات من قبيل:
أ- الخبرة السابقة مع الإعلام المصري والعربي الذي ورط الجماعة في الكثير من القضايا والمآزق وما قضية أحداث الأزهر وغيرها منكم ببعيد ...
ب- الإدراك الحقيقي أن غالبية الإعلام المصري والعربي يخضع لدرجات متفاوتة للتوجيه السلطوي والمالي والأمني بل والاختراق الفعلي من كثير من الجهات داخليا وخارجيا الأمر الذي تتقاطع بصدده كثير من مصالح الأجهزة الأمنية ، وإنحيازات الجهات الفكرية والقوى السياسية المختلفة .
ج- أن موضوع الانتخابات تحديدا كان دائما ما تتم إدارته بعيدا عن أجهزة الإعلام لاعتبارات تتعلق بوضعية الجماعة، وتمثل هذه المرة سابقة لا ندري هل كان الأمر مقصودا وهادفا في هذا الصدد أم أن تداعيات الأحداث قادت الي هذه الوضعية المستجدة .
وقد تعاملت القيادات الإخوانية إعلاميا بمنطق "الإخبار" -كما أسلفنا- ودون مراعاة العامل الزمني وأحيانا استخدامه؛ فحولته أجهزة الإعلام إلى أداة دعائية، الأمر الذي أوجد قدرا غير قليل من عدم الوضوح والتشويش، ولقد أخطأت القيادات الإخوانية الكبري في غالبها في التعامل الإعلامي مع القضية، نتيجة لعوامل كثيرة ليس هنا مجال تعدادها.
الثانية: يثير التعامل الإعلامي في هذه القضية (وغيرها من القضايا المهمة على الصعيد الإخواني) تساؤلا بالغ الأهمية والدلالة المستقبلية: إلى أي مدى سوف يصبح هذا النمط من التعامل الإعلامي أحد مدخلات عملية صناعة واتخاذ القرارات في الجماعة مستقبلا؟! وإلى أي مدى سوف يؤثر على أدوارها واختياراتها الفكرية والسياسية؟!..
سؤال بالغ الحساسية والأهمية، جوهره أن تصبح أدوات الإعلام ووسائله -بما تفرضه من ضغوط وما تعكسه من مصالح وانحيازات أطراف وجهات- إحدى أدوات الضغط أو أحد المحددات المهمة في عملية صناعة واتخاذ القرارات داخل أحد مستويات البنية القيادية العليا الإخوانية (مكتب الإرشاد– والمرشد العام) وبالتالي تسهم في تحديد إستراتيجيات ورسم سياسات الجماعة!.
الثالثة: كشف التعامل الإعلامي مع القضية عن غياب "وجود" (أو على الأقل "ضعف" فعالية) "الإعلام الإخواني الحقيقي المستقل" -إذا جاز الوصف- فلم يكن هو بالأساس "المصدر" الذي نقل الأحداث غالبا وتعدد وجهات النظر والاجتهادات ويقف من الجميع على مسافة واحدة.
تثير هذه المسألة أبعادا ثلاثة:
أ- تراجع الوعي القيادي الإخواني بهذه المسألة في الوقت الحالي رغم أهميتها المحورية وإن كانت إشكالية هذا الوعي مزمنة ، الا أنه كان فعالا فيما مضى بدرجة من الدرجات .
ب- غياب أو تغييب الكفاءات الإعلامية، والدعوية المتخصصة فلم تعوض الجماعة قامات مثل المرحومين جابر رزق وعبد المنعم سليم رحمهما الله، رغم غناها بأمثال هذه الكفاءات في الداخل والخارج...
ج- قيام بعض أبناء الجماعة –أو المحسوبين عليها- من العاملين في الحقل الإعلامي باستثمار القضية الانتخابية وما جري فيها وفقا لما تصوروه صالحهم "الحرفي" و"المهني" فقد تعاملوا معها كـ"مادة" إعلامية يتاح لهم بحكم "واقع " أو "سابق" علاقاتهم بالقيادة الإخوانية أن يحققوا من خلالها ما تصوروه "السبق" الإعلامي ولو على حساب "أخلاقيات المهنة" ذاتها -دون غيرها- وأحيانا استخدم بعضهم ما أتيح له من معلومات كـ"مادة" دعائية للتشويه الدعائي ، وللانتصار لفريق أو لرأي تصوروه دون آخر، في معركة دعائية كانت الخسارة فيها للجميع تقريبا...
والخلاصة أن هذه القضية كانت كاشفة عن الكثير من الجوانب البالغة الأهمية في التعامل الاعلامي القيادي الاخواني يمكن أن تقدم دروسا صالحة للاعتبار المستقبلي ... وأفوض أمري الي الله ان الله بصير بالعباد ...
------------------------------------------------------
أستاذ النظم السياسية بجامعتي القاهرة ولندن"SOAS"



0 تعــلــيـــق:
إرسال تعليق